صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

128

شرح أصول الكافي

فان قلت : كيف يكون ما هو العلة الفاعلية علة غائية ؟ والفاعل قبل الشيء لينبعث منه والغاية بعد الشيء ليستتبعها الشيء ؟ فالجواب : ان الفاعل والغاية إذا كانا في عالم المواد والحركات فيكون فاعلية الفاعل زمانية ، لأنها بالحركة توجب تقدمه على الفعل بالزمان ، فكذلك الغاية يتأخر وجودها عن وجود الفعل ، بخلاف ما إذا كانا فوق الأكوان والحركات فهما يتحدان وجودا وعلما . ثم انك لو تأملت وجدت ان العلة الغائية هي في الحقيقة عين العلة الفاعلية في كل مادة ، فان الجائع إذا اكل ليشبع فإنما اكل لأنه تخيل الشبع ، فحاول ان يستكمل له وجود الشبع فيصير من حد التخيل إلى حد العين ، فهو من حيث إنه شبعان تخيلا ، هو الفاعل للاكل الّذي يأكل ليصير شبعان وجودا ، فالشبعان تخيلا هو العلة الفاعلية والشبعان وجودا هو العلة الغائية ، فالاكل صادر من الشبع ومصدر للشبع ، فالشبع هو الأول والاخر للاكل اى هو الّذي كان علة فاعلية للاكل وعلة غائية له ولكن باعتبارين متغايرين ، فهو باعتبار الوجود العلمي فاعل وباعتبار الوجود العيني غاية وانفكاك العلم عن العين انما يوجد في الفواعل الناقصة الوجود التي بصدد الاستكمالات من جهة الأفاعيل والحركات ، فكانت قد تصورت واستشعرت أولا كمالاتها ضربا من التصور والشعور ثم تحركت نحو كمالاتها . وإماما نحن فيه فعلمه ووجوده شيء واحد . وأيضا الأشياء صادرة عنه طالبة له ، فان اختلف وقت صدور الشيء عنه عن وقت وصوله إليه فذلك لا يوجب انفكاك فاعليته وأوليته عن غائيته « 1 » وآخريته ، بل هو الفاعل من حيث إنه الغاية وهو الأول من حيث هو الاخر ، وانما الاختلاف بالقياس إلى سير السائرين وسفر المسافرين ، فالله عز وجل حيث أنبأنا عن غاية وجود العالم قال : كنت كنزا مخفيا فخلقت الخلق لا عرف ، فدلنا على أن غاية العالم هو الله معروفا . وقد علمت أن كمال المعرفة يوجب الشهود والوصول ، فهو موجودا في نفسه علة

--> ( 1 ) . غايته - م - د